مبكراً، كان صدام هو مفتاح تآمر السي آي أيه في العراق

مبكراً، كان صدام هو مفتاح تآمر السي آي أيه في العراق

التقرير التالي بعنوان (مبكراً، كان صدام هو مفتاح تآمر السي آي أيه) كتبه ونشره ريتشارد سيل بعد يوم واحد فقط من سقوط نظام صدام وإحتلال بغداد في ٩ نيسان عام ٢٠٠٣ من قبل الولايات المتحدة و حليفتها بريطانيا. ريتشارد سيل هو كاتب مرموق وحائز على جوائز عدة وعمل كمراسل متخصص بشؤون المخابرات لموقع الصحافة الدولية المتحدة  (United Press International) التي نشرت هذا التقرير. التقرير هو كشف حساب سريع لمسيرة علاقة حزب البعث وصدام حسين شخصياً بالمخابرات الأمريكية ودورهم أثناء الحرب الباردة وما آلت إليه الأحداث لاحقاً بعد ٤٥ عاماً من ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨(٢٠٠٣-١٩٥٨). التقرير لا يتطرق إلى علاقات أية جهات أخرى، أفراداً كانوا أو جماعات، تورطت مع المخابرات من أجل الوقوف أمام أي مشروع وطني تحرري بل ركز على دور صدام كعنصر أساسي لصد المد السوڤيتي في المنطقة وخاصة أثناء الحرب الباردة منذ أربعينيات القرن العشرين ولغاية إنهيار المعسكر السوڤيتي في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات. لم ينكر مفكرو وقادة البعث بأن تأسيس حزب البعث جاء رداً على إنتشار الأفكار الماركسية التي إجتاحت المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية.
هناك بعض الملاحظات على التقرير بخصوص دقة بعض المعلومات الواردة فيه وكذلك عدم التصريح ببعض أسماء من شهد على تلك العلاقة من أبطالها ولكن يكفي بأن عدم التعليق من قبل دوائر المخابرات الأمريكية على التقرير وهي المتهمة بمساعدة قيام أنظمة قمعية كنظام البعث من أجل مصالحها لهو دليل على صحة ما جاء فيه. من جانبنا ونحن كنا شهوداً عياناً على إنقلاب شباط ١٩٦٣ فلدينا الكثير لنضيفه هنا ونؤكده ومنه القتل الجماعي لآلاف العراقيين وتحويل العراق إلى معتقل كبير أستبيح فيه كل من على أرضه والإنقلاب كان نموذجاً لعدة إنقلابات حول العالم جاءت بعده، من إنقلاب سوهارتو في إندونيسيا حتى بينوشيه في شيلي. واحدة من أكبر الوثائق أهمية في تأكيد التدخل الخارجي آنئذٍ في الشأن العراقي هو محاضر محادثات الوحدة الثلاثية آذار ١٩٦٣ في القاهرة والتي صرح أثناءها الرئيس المصري الراحل عبد الناصر عن مده البعثيين بالمال والسلاح وفي دعمه للتمرد الذي وقع في الموصل ووعد المتمردين بالدعم الجوي. هذا ما أكده بعد ذلك الرئيس السوري السابق أمين الحافظ و القيادي في حزب البعث على قناة الجزيرة القطرية في برنامج شاهد على العصر. هناك الكثير من الشهادات والوقائع ما يؤيد ويؤكد ما جاء في هذا التقرير خاصة مذكرات عملاء المخابرات الأميركية العرب منهم والأجانب، منها على سبيل المثال لا الحصر محاضر التحقيق في قضايا التجسس مع الصحفي المصري مصطفى أمين.
هناك من يجادل ويدعي بأنه لا توجد هناك أية وثيقة مكتوبة تدل على تورط المخابرات الأميركية في محاربة النظام الجديد في العراق وهذا الرأي مردود عليه حيث أن المخابرات لا تترك وثائقاً وراءها لتدينها لذا فأن شهادات الشهود الذين كان لهم أدواراً في الأحداث هي من يفضح تلك الأسرار وكما ورد في هذا التقرير.

ريتشارد سيل مراسل شؤون المخابرات – الصحافة الدولية المتحدة

١٠ نيسان ٢٠٠٣ الساعة ٧:٣٠ مساءً

في هذه اللحظات ربما تقوم القوات الأمريكية بالبحث في كل زوايا مدينة بغداد عن دكتاتور العراق صدام حسين. يحدث كل ذلك على الرغم من أنه كان ينظر في الماضي إلى صدام على أنه الحصن أو جدار الصد ضد تمدد الشيوعية في المنطقة وبالرغم من إستخدامه لأربعين عاماً كأداة من قبل السي آي أيه لهذا الغرض. هذا ما يراه دبلوماسيو المخابرات وكبار موظفيها.
لقد قامت الصحافة الدولية المتحدة بمقابلة عدد كبير من الدبلوماسيين الأمريكيين والكتاب البريطانيين وكذلك موظفي المخابرات الأمريكية السابقين من أجل كتابة هذا التقرير إلا أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية قد إمتنعت عن التعليق عليه.
يعتقد البعض بأن علاقة صدام بوكالات المخابرات الأمريكية (السي آي أيه) قد إبتدأت في بداية الحرب العراقية الإيرانية في أيلول/ سبتمبر ١٩٨٠ بينما هي في الحقيقة تعود إلى عام ١٩٥٩ حين ضمته السي آي أيه  إلى فريق الإغتيال المكون من ستة أشخاص أعدتهم لإغتيال رئيس الوزراء الزعيم عبد الكريم قاسم.
في تموز ١٩٥٨ قام عبد الكريم قاسم بقلب نظام الحكم الملكي في العراق وعلى حد وصف أحد الدبلوماسيين الأمريكيين ، والذي لم يرغب بالكشف عن هويته، لذلك الحدث بأنه كان “طقوس عربدة دموية”. لقد تحدث بعض المسؤولين الأميريكيين دون الإفصاح عن ذواتهم بأن العراق كان يُعتبر آنئذٍ، أي قبل أحداث تموز ١٩٥٨، هو الحاجز والعنصر الستراتيجي في الحرب الباردة ضد الإتحاد السوڤييتي ودلالة على ذلك ففي منتصف الخمسينيات سارع العراق للإنضمام إلى الحلف المعادي للسوڤييت والمكون من بريطانيا وتركيا وإيران وباكستان والذي كان هدفه المعلن الدفاع عن المنطقة وهو الحلف الذي حمل إسم  “حلف بغداد“.
يصف أحد مسؤولي وزارة الخارجية الأمريكية السابقين من أن “أحدا لم يعطي إهتماماً لنظام قاسم الدموي والتآمري”، حسب وصفه، حتى إتخاذه قراره الصادم بالإنسحاب من حلف بغداد وهي الخطوة التي جعلت الكل “يخرج عن طوره”. وحسب رأي ذلك المسؤول فقد فُزعت واشنطن وهي تراقب قاسم يبدأ بشراء السلاح السوڤييتي وكذلك تعيين الشيوعيين في الوزارات الهامة. إن عدم الإستقرار في العراق قد عجل بمدير السي آي أيه آلان دالاس بالتصريح علناً بان “العراق هو أخطر بقعة في العالم“.
في منتصف الثمانينيات صرح مايلز كوبلاند، وهو أحد محاربي السي آي أيه القدماء، لنا بأن السي آي أيه قد إستفادت من علاقاتها الوطيدة بحزب البعث الحاكم وهذا هو بالضبط ما كانت عليها علاقاتها مع مخابرات الرئيس المصري جمال عبد الناصر. لقد أكد روجرز موريس، منذ وقت قريب، وهو أحد كوادر مجلس الأمن القومي الأمريكي في السبعينيات، هذا الإدعاء مضيفاً بأن “السي آي أيه قد إختارت حزب البعث المستبد والمعادي للشيوعية كأداة لها”.
وكما صرح أحد المسؤولين الكبار السابقين في الخارجية الأمريكية فأن صدام وفي بداية عشرينياته أصبح عضواً  فاعلاً في التآمر الأمريكي للتخلص من قاسم وأضاف بأنه قد تم إسكان صدام في شقة في بغداد  في شارع الرشيد مقابل مكتب قاسم في مبنى وزارة الدفاع لمراقبة تحركات قاسم.
يقول عادل درويش الكاتب والخبير في شؤون الشرق الأوسط في كتابه “بابل اللا مقدسة” بأن التحرك ضد قاسم قد تم بمعرفة تامة من قبل السي آي أيه  وأن الشخص المسؤول المباشر عن صدام كان طبيب أسنان يعمل لحساب السي آي أيه والمخابرات المصرية معاً. لقد أكد أحد المسؤولين في الحكومة الأمريكية هذه المعلومة بصورة منفصلة. كما ذكر درويش بأن الشخص الذي كان يدفع لصدام هو النقيب عبد المجيد فريد، مساعد الملحق العسكري المصري في السفارة المصرية ومن حسابه الشخصي إجرة الشقة التي كانت تأوي صدام. ثلاثة من كبار المسؤولين الأمريكيين قد أكدوا دقة هذه المعلومة.
لقد تمت محاولة إغتيال الزعيم قاسم يوم ٧ تشرين أول (أكتوبر) ١٩٥٩ وهي المحاولة التي فشلت فشلاً ذريعاً. لقد إختلفت الروايات حول سبب فشلها، فرواية أحد مسؤولي السي آي أيه  السابقين تقول بأن صدام ذو الأثنين والعشرين عاماً قد فقد أعصابه وبدأ بإطلاق النار قبل الأوان حيث قتل سائق الزعيم وكذلك إصاب الزعيم في كتفه ولكن إختباء قاسم على أرضية سيارته أنجاه من الموت. بينما رواية السيد عادل درويش تقول بأن أحد أفراد فريق الإغتيال قد إستعمل إطلاقات ليست مناسبة لعيار سلاحه فتوقف سلاحه وكذلك فأن أحد المهاجمين والذي كان يحمل قنبلة يدوية فأن القنبلة قد إنحشرت في بطانة معطفه ولم يتمكن من تفجيرها. “لقد كانت تلك المحاولة عبارة عن مهزلة” هكذا وصفها أحد كبار مسؤولي السي آي أيه. لقد هرب صدام حينها إلى تكريت وإختبأ مع العجول التي كان يرعاها وبذلك فقد أصبح قاتلاً. لقد ذكر العديد من رجال المخابرات بأن الفضل في تهريب صدام يعود إلى السي آي أيه ووكلاء المخابرات المصرية.
يذكر السيد عادل درويش كذلك، بعد وصوله إلى تكريت تمكن صدام من عبور الحدود العراقية إلى سوريا ومن هناك نقل إلى بيروت بواسطة وكلاء المخابرات المصرية. يذكر أحد مسؤولي السي آي أيه  فأنه وفي أثناء وجود صدام في بيروت فقد تكفلت السي آي أيه بتكاليف إقامته وكذلك فقد تم إخضاعه لبرنامج تدريبي قصير. بعد ذلك ساعدته السي آي أيه  للوصول إلى القاهرة، كما ذكر ذلك المسؤول. وعلى حد وصف أحد مسؤولي الحكومة الأمريكية لصدام وكان على معرفة به في ذلك الوقت “بأنه غير مُعرف طبقياً ولكنه معروف بأنه قاتل..سفاح”.
يذكر السيد عادل درويش ويؤكد على ذلك مسؤولو السي آي أيه في القاهرة فقد أُسكن صدام في شقة في حي الدقي الراقي وكان حينها يقضي وقته بلعب الدومينو في مقهى انديانا وكان يخضع لمراقبة السي آي أيه  وعملاء المخابرات المصرية عن كثب. يؤكد أحد المسؤولين الأميريكيين السابقين في القاهرة “كنت أتردد دائماً على مقهى گروبي في شارع عماد الدين پاشا وهو مقهى راقٍ جداً وتؤمه الطبقات المجتمع العليا، أما صدام فلم يكن له مكاناً في ذلك المقهى حيث كانت مقهى إنديانا هي المكان المناسب له”.
ذكر أحد رجال المخابرات الأمريكيين السابقين بأنه وأثناء وجود صدام في القاهرة كان يتردد على السفارة الأمريكية بإستمرار حيث يتواجد أفراد السي آي أيه المختصون كمايلز كوبلاند وجم إيجلبيرجر، رئيس محطة السي آي أيه في القاهرة، حيث كانوا يقيمون، وهم على معرفة بصدام.
لقد ذكر عادل درويش فأن المسؤول الأمريكي عن صدام قد دفعه لمطالبة المصريين بزيادة مخصصاته فكانت تلك إشارة أزعجت المسؤولين المصريين لأنهم كانوا على علم بعلاقات صدام بالأمريكيين. ما ذكره درويش قد أكده كذلك أحد الدبلوماسيين الأمريكيين السابقين في السفارة الأمريكية في القاهرة آنئذٍ.
في شباط ١٩٦٣ قُتل قاسم بإنقلاب قام به حزب البعث. لقد إدعى روجرز موريس قبل فترة بأن السي آي أيه كانت وراء ذلك الإنقلاب وأن الذي أجازالإنقلاب هو الرئيس جون كينيدي ولكن مسؤولاً رفيعا في السي آي أيه  أنكر ذلك بشدة ووإدعى “بأننا فوجئنا تماماً بالذي حصل وكان البعض منا يجري ويتساءل ما هذا الذي يحدث بحق الحجيم؟!”.
وحسب شهادة أحد مسؤولي المخابرات الأمريكيين السابقين وكان على معرفة لصيقة بالإعدامات التي تمت أثناء الإنقلاب فأن السي آي أيه قد  تحركت بسرعة للقيام بدورها، ففي الوقت الذي كان فيه البعثيون يصطادون الشيوعيين فقد زودت السي آي أيه الحرس القومي بالمدافع الرشاشة وكذلك بقائمة بأسماء الشيوعيين الذين تم إعتقالهم والتحقيق معهم وإعدامهم فوراً. لقد تم قتل الكثير من المتهمين بالشيوعية حسب تلك المصادر وكما صرح درويش لنا بأن القتل الجماعي الذي جرى في قصر النهاية كان بقيادة صدام حسين بنفسه.
“بصراحة لقد كنا مسرورين بالتخلص منهم. أنت تسأل فيما إذا كانوا قد حصلوا على محاكمة عادلة؟ لعلك تمزح! الذي جرى كان عملاً جدياً”.  
“We were frankly glad to be rid of them. You ask that they get a fair trial? You have to get kidding. This was serious business.”
هذا ما صرح به لنا مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية. “إن الذي جرى في العراق يشبه إلى حد ما القتل السري الغامض الذي تعرض له الشيوعيون الإيرانيون بعد مجئ الخميني إلى السلطة عام ١٩٧٩ حينها تم قتل (٤٫٠٠٠) شيوعيا إيرانياً فجأةً.” هذا ما علق به أحد مسؤولي السي آي أيه  السابقين.
الكاتب البريطاني كون كوگلن مؤلف كتاب “صدام: ملك الإرهاب”، قد نقل عن جم كرتشيفلد والذي كان يشغل منصب كبير مسؤولي السي آي أيه  في الشرق الأوسط قوله بأن قتل قاسم والشيوعيين قد أعتبر حينها “إنتصاراً عظيماً “. احد العملاء الناشطين السريين السابقين في السي آي أيه وصديق كرتشفيلد قد قال: “لقد كان جم كرتشفيلد ذراعاً قديماً في الشرق الأوسط وهو لم يأسف لرؤية قتل الشيوعيين كلهم. مهلاً، لقد كنا نلعب من أجل المكاسب”. في تلك الأثناء فقد ترأس صدام ما يسمى بالجهاز الخاص وهو جهاز المخابرات السري لحزب البعث.
لقد تم تكثيف العلاقة من قبل السي آي أيه ومعها وكالة مخابرات الدفاع (الدي آي أيه) بصدام بعد إندلاع الحرب العراقية الإيرانية في أيلول (سبتمبر) ١٩٨٠. أثناء تلك الحرب كانت السي آي أيه  تبتعث بإستمرار فريقاً متخصصاً في الحروب إلى صدام لتقديم المعلومات الإستخبارية عن تحركات القوات الإيرانية على الجبهة والتي كانت تحصل عليها عن طريق طائرات الإستطلاع السعودية (الإواكس) وذلك لمساعدته في زيادة فعالية القوات العراقية. هذا ما صرح به لنا أحد مسؤولي الدي آي أيه وهو عضو في فريق المخابرات المشترك (السي آي أيه  والدي آي أيه). لقد ذكر لنا هذا المسؤول بأنه هو شخصياً قد وقع على وثيقة تتيح لطرفي النزاع العراقي والإيراني الإشتراك بمعلومات التجسس الفضائية الأمريكية. كان ذلك محاولة منا لأجل إيقاف الحرب. يضيف هذا المسؤول “بينما أنا أوقع تلك الوثيقة إعتقدت وكأني أفقد عقلي“.
لقد عين صدام حينها فريقاً رفيع المستوى مكون من ثلاثة ضباط من الإستخبارات العسكرية العراقية للتنسيق والإجتماع مع الأميركيين.
يذكر عادل درويش بأن فريق السي آي أيه  والدي آي أيه المشترك قد قدم لصدام المساعدة العسكرية حين بدأ هجومه العنيف على المواقع الإيرانية التي كانت تحتل شبه جزيرة الفاو في شباط عام ١٩٨٨ حين أصاب الرادارات الإيرانية بالعمى ولمدة ثلاثة أيام.
لقد جاءت نهاية تحالف صدام مع المخابرات الأمريكية في الساعة الثانية من صباح يوم ٢ آب (أغسطس) عام ١٩٩٠ عندما غزا مائة ألف جندي مع ثلاثمائة دبابة جارتهم الكويت. وبذلك فأن الذي كان حليفاً لأميركا في وقت ما قد صار العدو الأكثر مرارة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

error: Content is protected !!